عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
193
اللباب في علوم الكتاب
وخامسها : الاحتجاج على من أنكر الإعادة من مشركي العرب مع إقراره بالابتداء كما في قوله : كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى [ البقرة : 73 ] . فصل في تسلية النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم اعلم أن المراد تسلية رسوله - عليه الصلاة والسلام - فيما يظهر من أهل الكتاب في زمانه من قلّة القبول فقال : « أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ » . قال الحسن : هو خطاب مع الرسول - عليه الصلاة والسلام - والمؤمنين « 1 » . قال القاضي : وهذا الأليق بالظاهر ، وإن كان الأصل في الدّعاء ، فقد كان من الصحابة من يدعوهم إلى الإيمان ، ويظهر لهم الدلائل . قال ابن عبّاس : إنه خطاب مع النبي - عليه الصلاة والسلام - خاصّة ؛ لأنه هو الدّاعي ، وهو المقصود بالاستجابة . واللفظة وإن كانت للعموم لكن حملناها على هذا الخصوص لهذه [ القرينة ] « 2 » . روي أنه حين دخل « المدينة » ، ودعا اليهود إلى كتاب اللّه ، وكذبوه ، فأنزل اللّه - تعالى - وسبب هذا الاستعباد ما ذكرناه أي : أتطمعون أن يؤمنوا مع أنهم ما آمنوا بموسى - عليه الصّلاة والسّلام - الذي كان هو السبب في خلاصهم من الذّل ، وفضلهم على الكل بظهور المعجزات المتوالية على يده ، مع ظهور أنواع العذاب على المتمردين ، فأي استبعاد في عدم إيمان هؤلاء . فصل في إعراب الآية قوله : « أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ » ناصب ومنصوب ، وعلامة النصب حذف النون والأصل في « أن » وموضعها نصب أو جر على ما عرف ، وعدي « يؤمنوا » باللّام لتضمّنه معنى أن يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم قاله الزمخشري . فإن قيل : ما معنى الإضافة في قوله : « يُؤْمِنُوا لَكُمْ » والإيمان إنما هو للّه ؟ فالجواب : أن الإيمان - وإن كان للّه - فهم الدّاعون إليه كما قال تعالى : فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ [ العنكبوت : 26 ] لما آمن بنبوّته وتصديقه ، ويجوز أن يراد أن يؤمنوا لأجلكم ، ولأجل تشدّدكم في دعائهم . قوله : « وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ » « الواو » : للحال . قال بعضهم : وعلامتها أن يصلح موضها « إذ » ، والتقدير : أفتطمعون في إيمانهم ، والحال أنهم كاذبون محرفون لكلام اللّه تعالى . و « قد » مقربة للماضي من الحال سوّغت وقوعه حالا . و « يسمعون » خبر « كان » .
--> ( 1 ) أخرجه ابن إسحاق وابن أبي حاتم كما في « الدر المنثور » ( 1 / 156 ) عن ابن عباس . ( 2 ) في أ : الآية .